السيد عبد الأعلى السبزواري
73
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التنزيل إنما يلحظ باعتبار وجوده الجمعي ، أي الوحدة في الكثرة ، والتأويل إنما يلحظ باعتبار وجوده الانطباقي الانبساطي الخارجي في الحوادث التكوينيّة والتشريعيّة ، من أوّل الحدوث إلى آخر الخلود ، لجميع الجزئيات والخصوصيات والعلل والمعلولات والشرائط والموانع ، باعتبار الوجود الانبساطي الخارجي ، ولا يمكن الإحاطة بذلك إلا للّه جلّ شأنه ، لقصور ما سواه عن ذلك ، وقد يفيض بعض ذلك لخلّص عباده ، كما مرّ . وقد بيّن اللّه تبارك وتعالى في سورة الكهف من آية 66 إلى 78 في ما سأله موسى عن الخضر عليهما السّلام الفرق بين التنزيل والتأويل ، فقال تعالى حاكيا عن الخضر : سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ، فالتأويل ما فعله الخضر وأجاب عن ما سأله موسى ، والتنزيل ما سأله موسى عن الخضر . ونعم ما نسب إلى بعض أكابر العرفاء : « التأويل علم الحقيقة ، والتنزيل علم الشريعة والطريقة » ، ومثّل لذلك بالفقيه والطبيب ، فإن الفقيه محتاج إلى الطبيب في العلم بالعلاج والعلم بخواص الأدوية ، والطبيب محتاج إلى الفقيه في العلم بظواهر الشرع . والجامع القريب بين التنزيل والتأويل إحقاق الحقّ وإبطال الباطل . أما التأويل في السنّة والروايات ، فقد ورد فيها أيضا - كما في بعض الروايات - لأن لها الوجود الانبساطي الخارجي القابل للانطباق على القضايا الخارجيّة أيضا ، كما تقدّم في تأويل الآيات الشريفة . كما أن علم تعبير الرؤيا اطلق عليه التأويل أيضا ، قال تعالى حاكيا عن نبيّه يعقوب لابنه يوسف عليهما السّلام : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [ سورة يوسف ، الآية : 6 ] ، والمراد منها الأحاديث الحاصلة من النوم ، بقرينة قوله تعالى حاكيا عن الملأ : قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [ سورة يوسف ، الآية : 44 ] ، وقد ورد في السنّة المقدّسة أن الرؤيا جزء من تسعة وتسعين جزءا من أجزاء النبوّة .